مقدمة
سؤال «هل الشخص المؤذي مريض نفسيًا؟» يتكرر كثيرًا في العيادات النفسية، وعلى مواقع التواصل، وفي النقاشات اليومية بين الناس. السؤال يبدو إنسانيًا في ظاهره، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق: هل نحن نحاول الفهم فعلًا؟ أم نبحث عن مبرر يخفف صدمة الأذى؟
في هذا المقال، سنفكك هذا السؤال من منظور نفسي وأخلاقي، ونوضح الفرق بين المرض النفسي الحقيقي، والسلوك المؤذي الناتج عن اختيار واعٍ، ولماذا الخلط بينهما يضر بالضحايا، وبالصحة النفسية ككل.
هل كل سلوك مؤذٍ يعني وجود مرض نفسي؟
الإجابة المختصرة: لا.
ليس كل شخص يؤذي الآخرين يعاني من اضطراب نفسي. كثير من السلوكيات المؤذية تصدر من أشخاص يتمتعون بقدرة كاملة على الإدراك، واتخاذ القرار، وفهم العواقب. المشكلة أن وصف الأذى بالمرض النفسي أصبح أحيانًا وسيلة سهلة لتفسير ما لا نريد مواجهته.
المرض النفسي حالة إكلينيكية لها معايير تشخيصية واضحة، وليس مجرد تصرف قاسٍ أو أناني أو عدواني. الخلط بين الاثنين يُفرغ مفهوم المرض النفسي من معناه العلمي.
الفرق بين التفسير النفسي والتبرير الأخلاقي
من أهم الأخطاء الشائعة في فهم السلوك الإنساني هو الخلط بين التفسير والتبرير.
التفسير النفسي: محاولة فهم الأسباب والدوافع والجذور.
التبرير الأخلاقي: إعفاء الشخص من المسؤولية عن أفعاله.
المرض النفسي قد يفسر السلوك أحيانًا، لكنه لا يمنحه شرعية أخلاقية تلقائيًا. فهم الدوافع لا يعني قبول الأذى، ولا يعني مطالبة الضحية بالصبر أو التسامح القسري.
متى يكون المرض النفسي عاملًا حقيقيًا؟
في بعض الحالات، يكون المرض النفسي بالفعل عنصرًا أساسيًا في السلوك المؤذي، مثل:
نوبات الذهان الحاد
الاضطرابات العقلية الشديدة غير المعالجة
فقدان الاتصال بالواقع
في هذه الحالات، تقل أو تنعدم القدرة على التحكم أو الإدراك، وهنا يكون العلاج أولوية، وليس العقاب فقط.
لكن هذه الحالات لا تمثل الأغلبية الساحقة من السلوكيات المؤذية اليومية التي نراها في العلاقات والعمل والمجتمع.
السلوك المؤذي كاختيار واعٍ
كثير من الأشخاص يؤذون الآخرين وهم يدركون تمامًا ما يفعلون. يدركون الألم الذي يسببونه، ويستمرون رغم ذلك. أحيانًا لأن الأذى يمنحهم شعورًا بالقوة، أو السيطرة، أو التفوق.
في هذه الحالات، لا يكون المرض النفسي هو المحرك الأساسي، بل منظومة قيم مختلة، أو أنماط شخصية، أو غياب المحاسبة.
هل الصدمة تبرر الأذى؟
الصدمة النفسية واقع حقيقي، وتأثيرها عميق. لكنها لا تمنح «ترخيصًا أخلاقيًا» لإيذاء الآخرين.
الشفاء الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن تقديس المعاناة كمبرر للأذى. كثير من الناس مرّوا بتجارب قاسية، ومع ذلك اختاروا ألا ينقلوا الألم لغيرهم.
مش كل مؤذٍ ضحية، وبعض من تألموا قرروا كسر السلسلة لا توريثها.
لماذا نُسرع بتشخيص المؤذي؟
أحيانًا نلجأ لتشخيص المؤذي لأنه أقل إيلامًا من الاعتراف بأنه اختار الأذى.
التشخيص يمنحنا شعورًا زائفًا بالراحة:
يخفف الصراع الداخلي
يقلل الإحساس بالغضب
يعفينا من مواجهة فكرة أن الإنسان قد يؤذي بوعي
لكن هذا الهروب له ثمن نفسي واجتماعي كبير.
أثر هذا الخلط على الضحايا
عندما نبرر الأذى بالمرض النفسي دون تدقيق:
نشكك في تجربة الضحية
نحمّلها مسؤولية التفهم والصبر
نمنعها من وضع حدود صحية
التعاطف مع المؤذي على حساب الضحية يتحول إلى خيانة صامتة.
العدالة النفسية وحدود التعاطف
العدالة النفسية لا تعني القسوة، لكنها تعني الوضوح.
العدالة النفسية تبدأ عندما نميز بوضوح بين المرض والاختيار الواعي. وأحيانًا نهرب للتشخيص عشان ما نواجهش مسؤولية الأذى.
التعاطف مهم، لكن بدون حدود يتحول إلى أداة تدمير نفسي.
هل كل مريض نفسي مؤذٍ؟
بالتأكيد لا.
الغالبية العظمى من المصابين باضطرابات نفسية لا يؤذون أحدًا، بل يعانون في صمت. ربط المرض النفسي بالأذى يساهم في الوصمة، ويمنع كثيرين من طلب العلاج.
الخلط لا يظلم الضحايا فقط، بل يظلم المرضى أيضًا.
كيف نتعامل مع الشخص المؤذي بشكل صحي؟
وضع حدود واضحة
عدم تبرير السلوك المؤذي
طلب الدعم النفسي عند الحاجة
التفرقة بين الفهم والاستمرار في العلاقة
الفهم لا يعني البقاء، والرحمة لا تعني التضحية بالنفس.
الخلاصة
ليس كل شخص مؤذٍ مريضًا نفسيًا، وليس كل مريض نفسي مؤذيًا. الفهم الحقيقي يبدأ عندما نواجه الحقيقة دون تبرير، ونمنح كل طرف حقه: العلاج لمن يحتاجه، والمحاسبة لمن يختار الأذى، والحماية لمن تضرر.
الفهم العميق لا يحمي المؤذي… بل يحمي الإنسان من تكرار دائرة الألم.
روابط مفيدة
تابع محتوى Psychological.net:
https://linktr.ee/Psychological.net
تنبيه مهم
هذا المقال لأغراض تعليمية فقط ولا يُعد نصيحة طبية أو نفسية أو علاجية. يرجى استشارة مختص مرخص للحصول على دعم شخصي.
Comments
Post a Comment