هناك نوع من الألم لا يُرى، ولا يُسمّى بسهولة، ولا يترك كدمات واضحة.
ألم بطيء، متراكم، هادئ، لكنه مُنهك.
إنه ألم انتظار الفهم.
أن تنتظر أن يراك أحد كما أنت.
أن يستوعب ما لم تقله.
أن يشعر بما تحمله دون شرح طويل أو دفاع مستمر.
في البداية، يبدو هذا الانتظار بريئًا.
بل أحيانًا يبدو ناضجًا، أو رومانسيًا، أو حتى دليلًا على عمقك العاطفي.
لكن مع مرور الوقت، يتحوّل إلى واحدة من أخطر آليات الاستنزاف النفسي.
الفهم: حاجة نفسية أساسية
من منظور علم النفس، الفهم ليس رفاهية عاطفية.
هو حاجة نفسية أساسية، مرتبطة بالشعور بالأمان والانتماء والاعتراف.
عندما تشعر أن مشاعرك مفهومة،
يهدأ جهازك العصبي.
ينخفض التوتر الداخلي.
وتشعر أنك لست مضطرًا للدفاع عن وجودك.
وعندما يُحرم الإنسان من هذا الفهم لفترات طويلة،
يبدأ في اختبار أعراض نفسية غير مباشرة:
إرهاق مزمن، تبلد مشاعر، انسحاب اجتماعي، شك دائم في الذات.
لكن الأخطر من غياب الفهم…
هو انتظارُه في المكان الخطأ.
كيف تعلمنا انتظار الفهم؟
كثيرون نشأوا في بيئات لم يكن التعبير فيها آمنًا.
حيث كان الصمت وسيلة للبقاء.
وحيث كانت المشاعر تُقابل بالتقليل أو السخرية أو التجاهل.
في هذه البيئات، يتعلم الطفل درسًا غير معلن:
«مشاعرك عبء، احتفظ بها لنفسك».
وعندما يكبر،
يدخل علاقاته بنفس القاعدة النفسية:
لا تطلب، لا تُلح، لا تُزعج.
فيتحوّل الانتظار إلى أسلوب حياة.
ينتظر أن يُفهم،
بدل أن يطلب الفهم أو يختبر إمكانية وجوده أصلًا.
الرومانسية المضللة للصمت
الثقافة الشعبية لعبت دورًا كبيرًا في ترسيخ وهم خطير:
أن من يحبك حقًا، يفهمك دون كلام.
هذه الفكرة، رغم جمالها الظاهري،
غير واقعية نفسيًا،
وتحمل عبئًا هائلًا على العلاقات.
الفهم لا يحدث تلقائيًا.
هو عملية نشطة:
استماع، فضول، تعاطف، ومجهود معرفي.
وعندما تنتظر من شخص لا يملك هذه المهارات
أن يفهمك تلقائيًا،
فأنت لا تمنحه فرصة،
بل تحكم على نفسك بخيبة متكررة.
الصمت لا يعني العمق دائمًا
كثيرون يخلطون بين الصمت والعمق.
بين التحمل والنضج.
بين السكوت والوعي.
لكن من منظور نفسي،
الصمت المزمن غالبًا ليس حكمة،
بل استراتيجية دفاعية.
أنت تصمت لأنك تخاف أن تُساء فهمك.
تصمت لأنك لا تريد صراعًا.
تصمت لأنك مرهق من التفسير.
ومع الوقت،
يتحوّل هذا الصمت إلى إنكار ذاتي.
تبدأ في تقليص احتياجاتك.
تخفيف مشاعرك.
وتقديم نسخة “أسهل” منك للعالم.
العلاقات التي تستنزف دون أن تؤذي صراحة
ليس كل استنزاف نفسي ناتج عن إساءة واضحة.
أحيانًا يكون ناتجًا عن غياب شيء أساسي.
علاقة لا تُضرب فيها،
ولا تُهان،
ولا تُخون…
لكنك تخرج منها فارغًا.
لأنك دائمًا غير مفهوم.
دائمًا تشرح.
دائمًا تبرر.
وهذا النوع من العلاقات يخلق تعبًا خاصًا:
تعب الشعور بأنك زائد عن الحاجة
عاطفيًا.
متى يتحول الانتظار إلى أذى؟
الانتظار يصبح مؤذيًا عندما:
-
يستمر رغم وضوح غياب الفهم
-
يمنعك من التعبير الصريح
-
يجعلك تشك في مشاعرك
-
يبرر لك البقاء في علاقات غير مُشبِعة
عند هذه النقطة،
لم يعد الانتظار صبرًا،
بل تخلّيًا تدريجيًا عن الذات.
لحظة التحول النفسي
التحول لا يأتي عادة بقرار درامي.
بل بلحظة إدراك هادئة.
لحظة تقول فيها لنفسك:
«أنا تعبت».
ليس لأن الآخر سيئ،
بل لأنك لم تعد قادرًا على الانتظار.
هنا يبدأ النضج الحقيقي.
ليس في التحمل،
بل في الاختيار.
إما أن تعبّر بوضوح،
وتقبل النتيجة،
أو تنسحب بسلام.
الفهم يبدأ من الداخل
أحد أكبر الأخطاء النفسية
أن نطلب من الآخرين ما لم نقدمه لأنفسنا.
كثيرون ينتظرون الفهم
وهم لم يجلسوا مع مشاعرهم بصدق.
لم يعترفوا باحتياجاتهم.
لم يحددوا حدودهم.
عندما تفهم نفسك أولًا،
يتغير نوع العلاقات التي تقبلها.
لم تعد تبحث عن أي فهم،
بل عن الفهم الممكن والصحي.
السلام النفسي لا يحتاج تصفيقًا
السلام الحقيقي لا يعني أن يتفق الجميع معك.
ولا أن يعترفوا بألمك.
ولا أن يبرروا مشاعرك.
السلام هو أن تتوقف عن شرح نفسك
لمن لا يستمع.
أن تتوقف عن الانتظار
في أماكن لا تتسع لك.
الخلاصة
انتظار الفهم قد يبدو إنسانيًا،
لكنه يصبح خطيرًا
حين يتحول إلى نمط حياة.
النضج النفسي
لا يعني أن تتحمّل أكثر،
بل أن تعرف متى تضع حدًا.
ربما لم يفهمك الجميع.
وربما لن يفهمك البعض أبدًا.
لكن أهم فهم في رحلتك…
هو أن تفهم نفسك،
وتحميها من الاستنزاف الصامت.
Comments
Post a Comment